السيد كمال الحيدري

47

معالم الإسلام الأموي من القدح في العترة النبوية الطاهرة إلى استباحتها

الحديث ) أنه قال : إنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عنه صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم ما لم يأتِ بمثله مَن صحبه من جلّة أصحابه والسابقين الأولين ، اتَّهموه وأنكروا عليه وقالوا : كيف سمعتَ هذا وحدَك ؟ ومن سمعه معك ؟ وكانت عائشة . . . أشدّهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه « 1 » . ومن هنا كان أبو هريرة كما نقل أبو رية عن الكاتب مصطفى صادق الرافعي - وهما على حقّ في ذلك - : أول راوية اتُّهم في الإسلام . وقد ورد في البخاري أن لأبي هريرة ( كيساً ) يُخرج منه الحديث ! قال : ( حدّثنا أبو صالح ، قال : حدّثنا أبو هريرة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : أفضل الصدقة ما ترك غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول . ثم وردت في الحديث هذه التتمّة : تقول المرأة : إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ، ويقول العبد : أطعمني واستعملني ، ويقول الابن : أطعمني إلى من تدعني . فقالوا : يا أبا هريرة ، سمعتَ هذا من رسول الله ؟ قال : لا ، هذا من كيس أبي هريرة ) « 2 » .

--> ( 1 ) أبو رية ، محمود ، أضواء على السنّة النبوية ، أوفسيت على الطبعة الخامسة من النسخة المصرية : ص 203 . ( 2 ) البخاري ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم ، وسننه وأيامه ، تحقيق : محمد زهير بن ناصر الناصر ، دار طوق النجاة - بيروت ، ط 1 ، 1422 ه - ، كتاب النفقات ، الباب الثاني ( باب وجوب النفقة على الأهل والعيال ) ، ج 7 ، ص 63 ، الحديث 5355 . وقد اتسع كيس أبي هريرة لأحاديث أخر وردت فيها هذه العبارة : منها : قوله ( كنت حدّثتكم أن من أصبح جنباً فقد أفطر ، فإنما ذلك من كيس أبي هريرة ، فمن أصبح جنباً فلا يفطر ) راجع : الخطيب البغدادي ( 392 - 463 ه - ) ، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ، الفقيه والمتفقّه ، تحقيق : عادل بن يوسف العزازي ، دار ابن الجوزي - المملكة العربية السعودية ، ط 1 ، 1417 ه - - 1996 م ، ج 2 ، باب رجوع المفتي عن فتواه إذا تبيّن له أن الحقّ في غيرها ، ص 421 - 422 ، الحديث 1404 . وطعنُ ابن حجر في سند هذا الحديث ، يردّه ورود الحديث الذي يليه ( رقم 1405 ) الذي تناول رجوع أبي هريرة عن فُتياه ( من أصبح جنباً فليفطر ) وكان الأفضل التعبير برجوعه عن التحديث لا الفتيا . ومنها : ما ورد في مسند أحمد في بعض ما نهى النبي عن التكسّب به ، بسنده عن المغيرة قال : ( سمعت عبيد الله بن أبي نُعْم يحدِّث أنه سمع أبا هريرة يقول : نهى رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم عن كسب الحجَّام ، وكسب البغي ، وثمن الكلب . قال : وعسب الفحل . قال : وقال أبو هريرة : هذه من كيسي ) . مسند أحمد ، تحقيق شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط 1 ، 1416 ه - : ج 13 ، ص 355 ، رقم الحديث 7976 . علماً أن عبارة ( وعسب الفحل ) التي تبدو كتدخّل من أبي هريرة ما هي إلا قطع واستئناف قام به عبيد الله بن أبي نعم ، ويدلّ على ذلك لفظ هذا الحديث في رواية النسائي ( انظر : سنن النسائي ، تحقيق : مشهور بن حسن آل سلمان ، تعليق : محمد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض ، ط 1 ، ص 712 ، الحديث 4673 ) ولم يرد في رواية الأخير عبارة ( هذه من كيسي ) . هذا ، وقد دفع قولُ أبي هريرة هذا بالكثير من مريديه إلى تأويل كلمته تلك وتخريجها مخرجاً مقبولًا : تارة بتفسير الكيس بوعاء ، وتارة ثانية بفطنته ، وتارة ثالثة اعتبر قوله تهكّماً على سائليه ، وتارة رابعة عدّ إشارة إلى نسخ هذا الحديث . . وغيرها من المحاولات المتكلَّفة التي لا محصّل لها . . ولا مجال هنا لتفصيل الكلام أكثر من ذلك .